*بفضل موقعها الجغرافي الفريد الذي يزاوج بين هدوء مصب نهر سبو وعنفوان المحيط الأطلسي، تمتلك منطقة القنيطرة – مهدية كل المقومات لتتحول إلى قطب رائد لسياحة اليخوت وملاحة الترفيه في المغرب. غير أن هذا الطموح، المسنود بالرؤية الإستراتيجية العليا للدولة، يصطدم اليوم بجدار سميك من القرارات التقييدية الصارمة والمقاربات العتيقة التي تفرضها السلطات المحلية ومصالح مديرية الملاحة التجارية. هذه “الشيزوفرينيا” الإدارية تضع علامات استفهام كبرى حول الكيفية التي تحولت بها هذه الجهات من أدوات لتنفيذ التنمية إلى كوابح حقيقية تشل عجلة الاقتصاد المحلي.*
*مهدية / القنيطرة –* في الوقت الذي تعيد فيه المملكة المغربية صياغة استراتيجيتها السياحية الشاطئية، تتجه الأنظار بقوة نحو مصب نهر سبو. فبعد أن ظلت لسنوات طويلاً حكراً على النشاط الصناعي وميناء الصيد التقليدي، تشهد منطقة القنيطرة – مهدية اليوم مخاضاً جذرياً واعداً. هذا المخاض الإيجابي، الذي كان يعد بتحويل المنطقة إلى محطة مفضلة لهواة ركوب البحر والرحلات السياحية من المغاربة والأجانب، فرملته فجأة عقبات تنظيمية أقل ما يقال عنها إنها تفتقر للحس التدبيري الحديث، لتفرض واقعاً مرّاً من الركود المصطنع.
### عبقرية المكان.. واجهة مزدوجة لا توجد في أي مكان آخر
تكمن القوة الضاربة لمنطقة القنيطرة – مهدية في خصوصية موقعها الجغرافي. فخلافاً للموانئ الترفيهية (المارينا) الكلاسيكية المنتشرة في باقي مدن المملكة والتي شُيدت مباشرة على البحر، يتيح هذا الموقع فرصة نادرة للغاية في المغرب: الملاحة النهرية الهادئة المقترنة بالولوج المباشر والسريع إلى المحيط.
هذا المعطى يسمح لأصحاب القوارب واليخوت بالإبحار في المياه الدافئة لنهر سبو التاريخي، والاستمتاع بمناظر طبيعية داخلية خلابة ومحمية، مع القدرة على الانتقال في غضون دقائق معدودة إلى رحابة الواجهة الأطلسية. هذه الازدواجية تمنح المستثمرين والزوار إمكانية تنويع الأنشطة البحرية بشكل غير مسبوق، بدءاً من النزهات العائلية الخفيفة على ضفاف النهر، وصولاً إلى مغامرات الرياضات المائية القوية في أعالي البحار.
### سياسة “المنع الأسهل”.. عندما يغتال الجمود البيروقراطي طموحات الدولة
لكن، وبشكل يثير امتعاض وسخط المهنيين والمستثمرين، يعيش هذا القطاع الواعد حالة شلل تام فرضتها الإدارة المحلية والمينائية عبر سياسة المنع الشامل لكل المبادرات والأنشطة المرتبطة بملاحة الترفيه.
هذا التقييد الصارم، الذي يُغلف عادة بهواجس تنظيمية وأمنية واهية ومبالغ فيها، يراه الفاعلون الاقتصاديون تراجعاً حقيقياً وضيق أفق واضح يضرب في العمق سياسة الدولة وتوجيهاتها العليا الرامية إلى تشجيع “الاقتصاد الأزرق” وتثمين الواجهات البحرية للمملكة لإنعاش خزينة الدولة بمليارات السنتيمات. وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهوداً مضنية لتذليل الصعاب أمام الرساميل وجلب الاستثمارات، تختار الإدارة المحلية الحل الأسهل والعقيم: *المنع عوض التنظيم، والتقييد بدل المواكبة*. إنها عقلية إدارية كسولة تفضل إغلاق البحر والنهر تماماً على بذل الجهد لتقنين النشاط، مما فوت على المنطقة فرصاً تنموية بمليارات السنتيمات ويوشك أن يحول القنيطرة إلى نقطة سوداء في الخريطة السياحية الوطنية.
### تقاعس الملاحة التجارية والمقاربة الأمنية العتيقة للسلطات
تتحمل “المديرية العامة للملاحة التجارية”، بصفتها الوصي القانوني والأول على هذا القطاع، القسط الأكبر من المسؤولية في هذا البلوكاج غير المبرر. فبدل أن تلعب دور المحفز والمقنن الذي يضع دفاتر تحملات مرنة ومبتكرة تؤطر هواة البحر وتشجع المستثمرين الخواص، فضلت المديرية الاختباء وراء البيروقراطية المقيتة والتماطل المتوارث في الإفراج عن التراخيص، وكأنها تتعامل مع قطاع هامشي لا مع ركيزة أساسية من ركائز سياحة المستقبل.
وينضاف إلى هذا الجمود المرفقي الموقف المتصلب للسلطات المحلية بالإقليم، التي اختزلت هذا الملف التنموي المعقد في مقاربة “أمنية محضة” ضيقة أفضت إلى المنع المطلق. هذا العجز عن الابتكار التدبيري يعكس غياب أي تنسيق أو حوار حقيقي؛ وكان الأجدر بالسلطات تفعيل لجان إقليمية مشتركة توازن بين إكراهات سلامة الحدود والأفراد وبين متطلبات الإقلاع الاقتصادي وحاجة المدينة للمتنفسات، عوض اللجوء إلى لغة الأبواب الموصدة التي لا تنتج سوى الاحتقان والركود.
### البديل العشوائي.. قوارب الموت البطيء تنمو في مستنقع “الحظر الإداري”
وأمام هذا التزمت الإداري الأعمى، قاد غياب عرض قانوني ومنظم إلى نتائج عكسية تماماً على أرض الواقع وخطيرة على سلامة المواطنين. فمع وجود طلب سياحي هائل وملح من طرف عائلات وشباب المنطقة على الجولات البحرية، وجد “العشوائيون” في هذا الحظر فرصة ذهبية للاستثمار في الفراغ الذي صنعته الإدارة بنفسها.
وتشهد مياه نهر سبو حالياً انتشاراً مخيفاً لرحلات عشوائية عبر قوارب تقليدية ومتهالكة، تفتقر لأدنى معايير السلامة والأمان والمعاينة التقنية، حيث تشتغل في واضحة النهار وخارج أي إطار قانوني لتقديم خدماتها للأسر المتعطشة لأي ترفيه بحري. هذا الواقع الصادم يؤكد أن تعنت الإدارة وغلقها للمسارات القانونية لم يوقف النشاط، بل نقله فقط من قنواته الرسمية الخاضعة للمراقبة والضرائب، إلى سوق سوداء عشوائية تنمو في الظلام وتهدد بوقوع كوارث إنسانية في أي لحظة، لتتحمل الإدارة بذلك المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أي حادث مأساوي قد يقع.
### مشاريع كبرى في مهب الريح.. من يثق في مارينا القنيطرة؟
تزامن هذا الحظر غير المفهوم مع التخطيط للمركب المينائي الضخم “القنيطرة الأطلسي”، الذي يهدف أساساً إلى نقل الأنشطة التجارية خارج الميناء النهري القديم، لفسح المجال أمام تحويل الحوض القديم إلى “مارينا” عصرية بمعايير دولية وإقامات فاخرة وفنادق تحت إشراف الوكالة الوطنية للموانئ (ANP).
بيد أن استمرار هذا المناخ الإداري الطارد للاستثمار والمبني على ثقافة المنع يبعث بإشارات سلبية ومقلقة للغاية للشركات الوطنية والدولية؛ إذ كيف يمكن إقناع رؤوس الأموال بالمساهمة بمليارات السنتيمات في مشروع “مارينا” مستقبلي، في بيئة إدارية حالية مرعوبة ومترددة، تمنع مجرد رسو قارب ترفيهي أو ممارسة رياضة مائية مرخصة؟
### نداء عاجل إلى وزير النقل واللوجيستيك: أنقذوا استثمارات سبو
أمام هذا الأفق المسدود، لم يعد هناك خيار سوى مناشدة *السيد عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك*، للتدخل العاجل والحاسم لإنهاء هذا العبث البيروقراطي. إن الوزارة الوصية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بنفض الغبار عن مديرية الملاحة التجارية وإجبارها على التخلي عن لغة المكاتب المكيفة لتبني إستراتيجية ميدانية مرنة تتماشى مع الطموحات الملكية.
إن القنيطرة-مهدية لا تطالب بخرق القانون، بل تطالب بـ *تنظيم محكم لقطاع ملاحة الترفيه* عبر دفاتر تحملات واضحة تضمن معايير السلامة الدولية، وتنهي فوضى القوارب العشوائية الحالية، وتفتح الباب أمام المستثمرين الحقيقيين لإنعاش الشغل والتنمية. الكرة الآن في ملعبكم السيد الوزير، لفك الحصار عن نهر سبو وإعادة القنيطرة إلى قاطرة الاقتصاد الأزرق الوطني.
