في رحلة مراقبتي للنفس البشرية، عشت تجربة كشفت لي مفارقة قاسية: بعض الذين يرفعون راية الدين، ويجلسون في المساجد لإلقاء الدروس والمواعظ، كانوا أبعد ما يكونون عن روح الإيمان. كنت أراهم يتحدثون عن الفضيلة والتقوى، يذكّرون الناس بوجوب حفظ اللسان وصيانة الأعراض، لكن المفاجأة كانت أنّ الدرس ينتهي ليبدأ درس آخر في الخفاء، درس النميمة والغيبة والبهتان. كنت أراقب في صمت، أتأمل بدهشة وأسجّل في داخلي هذا التناقض الذي جعلني أرى وجوهًا متعددة للإنسان، بين ما يظهره علنًا وما يخفيه سرًا.
ما كان يثيرني أكثر من الغضب هو ذلك التناقض المضحك المبكي: بعد جولات طويلة في جلد الآخرين، يقولون فجأة بجدية: “لا نريد الخوض في أعراض الناس”! وفي غياب كل واحدة منهن، تتحول هي إلى ضحية جديدة، حتى تلك التي كانت قبل قليل تساندهن في إيذاء غيرها، لم تسلم من جلدهن. لقد انكشفت أمامي أقنعة كثيرة، وفضحت الألسنة أسرارًا مخزية ما كنت أظن أن أحدًا سيجرؤ على البوح بها.
هذه التجربة لم أقرأها في كتاب، ولم أتعلمها في محاضرة، بل عشتها ورأيتها بأم عيني. ومن هنا أدركت أن المجتمع الذي يبالغ في إظهار التدين، قد يكون أكثر المجتمعات عرضة للنفاق. لأن التركيز المفرط على المظاهر والشعائر يخلق ضغطًا داخليًا هائلًا، فيلجأ الفرد إلى الأقنعة، إلى التدين الشكلي الذي يمنحه شعورًا زائفًا بالطمأنينة أمام الناس، لكنه يترك داخله جائعًا إلى الصدق والسلام.
من منظور علم النفس، ما شهدته هو انعكاس لآليات دفاعية يهرب بها الإنسان من مواجهة ذاته. فالنميمة ليست مجرد حديث عابر، بل هي عملية إسقاط لعيوب النفس على الآخرين لتخفيف الشعور بالذنب أو النقص. والتمسك بالشعائر دون الإيمان العميق ليس سوى تعويض عن فراغ داخلي، بحث عن هوية مفقودة عبر الطقوس لا عبر الصدق الروحي. هذا التناقض يولّد ما يسميه علماء النفس التنافر المعرفي: أن يعيش الإنسان بين قيم يعلنها علنًا، وسلوكيات مناقضة يمارسها سرًا، فيظل ممزقًا بين صورتين، ويعالج هذا التمزق بالنفاق الاجتماعي.
لقد علمتني هذه التجربة أن التدين ليس في كثرة حضور المساجد ولا في إلقاء المواعظ، بل في الانسجام الداخلي بين القول والفعل، بين ما يراه الناس وما يعيشه القلب في الخفاء. التدين الصادق لا يحتاج إلى قناع، لأنه ينبع من إيمان راسخ يثمر رحمة وصدقًا وسلوكًا مستقيمًا. أما التدين الزائف، فهو مجرد خشبة مسرح، تتغير وجوه الممثلين عليه كلما أُطفئت الأضواء.
ومن هنا، صرت أرى بوضوح أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس ضعف التدين، بل النفاق المغلف بالدين. لأن هذا النوع من النفاق لا يهدم الفرد وحده، بل يفسد الوعي الجماعي، ويجعل الدين وسيلة للسيطرة بدل أن يكون رسالة للحرية والصدق.
وكم كان مدهشًا بالنسبة لي أن هذا الاستنتاج لم يقتصر على تجربتي وحدي، بل كان له صدى في حواري الأسري مع أبنائي. ففي أحد الأيام، قالت لي ابنتي زينب: “أمي، لقد اكتشفت شيئًا مهمًا.” فسألتها: “ماذا يا بنيتي؟” فأجابت بابتسامة: “لاحظت أن المجتمع الأكثر تدينًا هو المجتمع الأكثر نفاقًا.” فابتسمتُ، وشاركت معكم هذا الحوار لأنه يعكس الحقيقة التي رأيناها معًا: أن الإدراك الصادق لا يُولد من العمر فقط، بل من الملاحظة والتأمل في الواقع من حولنا.
إن ما شهدته كان صدمة في البداية، لكنه تحول إلى مصدر قوة واكتشاف. فقد ساعدني على فهم أعمق للنفس البشرية، وفتح عيني على حقيقة كبرى: أن الإيمان لا يُقاس بالمظاهر، بل بمدى الصدق مع الذات، وبالقدرة على أن يكون الإنسان في السر كما هو في العلن.

Comments are closed.