12 Angry Men – قراءة نفسية في فيلم “إثنا عشر متعصبًا”

الدكتورة سمية البهيجي

« حين تتحول قاعة المحكمة إلى مختبر للعقل البشري « 

نزلت ذات مساء إلى غرفة التلفاز، فوجدت ابني علي يتابع فيلم “12 Angry Men” (إثنا عشر متعصبًا). جذبني المشهد فجلست إلى جانبه، وما إن مضت الدقائق حتى أدركت أنني أمام عمل يتجاوز كونه دراما قانونية، ليصبح مختبرًا نفسيًا حيًّا يكشف عن أعمق آليات العقل البشري حين يُحاصر بالتحيزات والانفعالات الجماعية. عندها وددت أن أشارككم هذا التحليل، لا من زاوية المشاهدة العابرة، بل من زاوية علم النفس وما يعكسه الفيلم على واقعنا.

فكل شخصية من شخصيات المحلفين تحمل نمطًا نفسيًا يمكن أن نصادفه في حياتنا اليومية. فالمحلف الأول يمثل القائد المتردد الذي يبحث عن الشكل أكثر من الجوهر، فيقدّم المظهر الاجتماعي على الحقيقة، وهو النموذج الذي نصادفه في إداراتنا واجتماعاتنا وحتى داخل أسرنا. أما المحلف الثالث فيجسد التعصب الغاضب لرجل أسير جراحه القديمة؛ إذ جعله رفضه لابنه قاسيًا على المتهم، وكأنه لا يرى الحقيقة بل يرى صورة ابنه الضائع. وهذا يعكس كثيرًا من مواقف حياتنا حيث يُصدر أب أو مسؤول حكمًا على شبابنا انطلاقًا من ماضيه لا من واقعهم.

ويبرز المحلف العاشر كرمز للعنصرية، العقل الذي يحكم بالهوية لا بالحقائق، صورة لخطابات الكراهية التي نسمعها اليوم حيث يُدان الفرد لا لأنه مذنب، بل لأنه ينتمي إلى عرق أو دين أو فئة اجتماعية “محتقرة”. في المقابل، يظهر المحلف الثامن، الذي جسّده هنري فوندا، كصوت للعقل والضمير الحيّ، الرجل الذي يجرؤ على الوقوف وحيدًا في وجه التيار ويقول: «انتظروا، لنتأكد». رفض أن يحكم بالموت على شاب استنادًا إلى شكوك، ليجسد بذلك النموذج النادر الذي يعطينا الأمل في أن العدل ممكن ما دام هناك من يجرؤ على قول كلمة حق.

هذا الفيلم، من زاوية علم النفس، يكشف عن عدة آليات معرفية وانفعالية. فالانحياز التأكيدي جعل المحلفين يبحثون عن أدلة تؤكد آراءهم المسبقة بدلًا من البحث عن الحقيقة. كما أن الإسقاط النفسي دفعهم إلى إسقاط مشاكلهم الخاصة على القضية، بينما فرض ضغط الجماعة على بعضهم التنازل عن قناعاتهم خوفًا من العزلة.

وعندما نسقط هذه الدروس على واقعنا، نجدها حاضرة أمامنا كل يوم: شباب يُدانون فقط لأنهم ينتمون إلى حي معين أو عائلة بعينها، وقرارات مصيرية تُتخذ تحت ضغط الأغلبية بدلًا من صوت الضمير، ونساء يُظلمْن لأن المجتمع قد أصدر في حقهن حكمًا مسبقًا مبنيًا على صورة نمطية لا على حقيقتهم.

الدرس العميق الذي يتركه الفيلم هو أن العدالة الحقيقية لا تبدأ من قاعة المحكمة، بل من داخل النفس. فالإنسان الذي لم يتحرر من أحقاده وانحيازاته لن يكون قادرًا على الحكم بالعدل على الآخرين. العدالة مرآة لضمائرنا، والضمير الحيّ هو المحلف الثامن الذي يجب أن نُحييه في داخلنا جميعًا.

وفي زمن تتلاطم فيه خطابات الكراهية والتعصب، نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أن نتوقف قليلًا، ونسأل، ونتجرأ على الدفاع عن الإنسان قبل الهوية. فالمجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بضمائر حية ترفض الصمت أمام الظلم.

Comments are closed.