(جواب على الدكتور المحترم محمد الفايد )
من وجهة نظري الشخصية :حين نقول إن محمدًا ﷺ كان أميًا، فعلينا أولًا أن نسأل: أميٌّ عن ماذا؟
هل الأمية تعني الجهل؟
أم أنها تعني أنه لم يتلقَّ علومه في مدرسة بشرية، ولم يكن قارئًا لكتب الأمم السابقة ولا تلميذًا لمعلّم بشري؟
هنا تبدأ الصورة الحقيقية في الظهور.
يمكن أن نقول إن النبي ﷺ كان أميًا عن التعليم البشري المكتسب من المدارس والكتب والمعلمين، ولكن هذا لا يعني أبدًا أنه كان أميًا عن العلم أو الحكمة أو المعرفة.
بل إن القرآن يقرر بوضوح:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾
فإذا كان التعليم البشري هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان، فإن النبي محمدًا ﷺ في التصور القرآني كان له مصدر تعليم أرفع من المدارس البشرية كلها: الوحي والتعليم الإلهي.
ولهذا أحب أن أسميها مجازًا:
المدرسة الأهلية الإلهية.
مدرسة لا جدران لها، ولا مقاعد، ولا سبورة، ولا شهادة جامعية، ولا أستاذ بشري يقف أمام التلاميذ.
مدرسة كان معلّمها الوحي، ومصدر علمها الله، وتلميذها رسول الله ﷺ، ورسالتها أن تنقل الإنسان من الظلمات إلى النور.
وهنا تصبح كلمة «أمي» بعيدة كل البعد عن معنى «جاهل».
فالأمية التعليمية شيء، والجهل شيء آخر.
قد يكون الإنسان غير متعلم بالمعنى المدرسي، ولكنه يمتلك من الفهم والبصيرة والحكمة ما لا يملكه أصحاب الشهادات.
وقد يكون الإنسان صاحب أعلى الشهادات ولكنه عاجز عن فهم نفسه أو مجتمعه أو معنى وجوده.
إذن لا يجوز أن نجعل القدرة على القراءة والكتابة معيارًا وحيدًا للعقل والعلم.
والقرآن نفسه بدأ لحظة نزول الوحي بكلمة تهدم تقديس الجهل:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
ثم:
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وكأن الرسالة تقول للإنسان:
اقرأ.
تعلّم.
استخدم عقلك.
اخرج من ظلمات الجهل.
ولكن هناك فرق هائل بين أن يكون الإنسان لم يتعلم القراءة والكتابة في مدرسة بشرية، وبين أن يكون جاهلًا لا علم له.
محمد ﷺ، وفق التصور القرآني، لم يكن نتاج جامعة بشرية ولا تلميذًا لمدرسة فلسفية أو دينية سابقة، وإنما كان يتلقى الوحي من الله.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
أين درس محمد؟
بل:
من الذي علّم محمدًا؟
والجواب القرآني واضح:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾.
ومن هنا أرى أن التعبير الأدق ليس أن نقول:
«محمد كان أميًا وجاهلًا.»
بل:
كان أميًا عن التعليم البشري، ولم يكن جاهلًا بالمعنى العقلي أو المعرفي؛ بل كان متلقيًا للعلم من مصدر يراه الإيمان الإسلامي أسمى من كل مصادر التعليم البشرية: الوحي.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة:
الرجل الذي لم يتخرج من مدرسة بشرية أصبح معلّم أمة.
والرجل الذي لم يُعرف عنه أنه تلقى علومه من الكتب البشرية جاء بكتاب أصبح محور حضارة.
والرجل الذي بدأت رسالته بكلمة اقرأ أصبح سببًا في قيام ثقافة كاملة حول القراءة والكتابة والعلم والقلم.
فإذا كانت المدارس البشرية تعلّم الإنسان القراءة والكتابة، فإن الرسالة المحمدية جاءت لتعلّم الإنسان كيف يقرأ الكون، وكيف يقرأ نفسه، وكيف يقرأ الحقيقة، وكيف يميز بين النور والظلام والعدل والظلم والحق والباطل.
وهذه هي المدرسة الأرقى والأسمى:
مدرسة تربية الإنسان قبل تعليم الإنسان.
لأن التعليم بلا أخلاق قد يصنع إنسانًا أكثر قدرة على الشر، أما التربية فتصنع إنسانًا يعرف لماذا يستخدم علمه ولأجل من.
ولهذا لا أرى في وصف النبي ﷺ بالأمي انتقاصًا منه، بل أرى أن المشكلة تبدأ عندما نحول المصطلح إلى شتيمة.
فالأمي ليس مرادفًا للجاهل.
والذي لم يتعلم على أيدي البشر ليس بالضرورة فاقدًا للعلم.
والذي لم يدخل مدرسة بشرية يمكن أن يكون صاحب رسالة تهذب المدارس والأمم.
محمد ﷺ لم يكن تلميذًا لجهل.
كان رسولًا يتلقى الوحي.
ولذلك فإن أجمل قراءة للأمية النبوية هي أن نفهمها في سياقها القرآني، لا أن نجعل منها سلاحًا للطعن في مقام النبي ﷺ.
كان أميًا عن المدرسة البشرية، ولكنه لم يكن أميًا عن العلم والحكمة؛ وكانت مدرسته ـ بالمعنى الإيماني ـ أرفع من كل مدرسة بشرية، لأن مصدر تعليمه كان الوحي.
وهنا لا تصبح كلمة «أمي» عارًا على النبي ﷺ، بل تصبح سؤالًا معرفيًا عظيمًا:
كيف استطاع رجل لم يتلقَّ تعليمه في المدارس البشرية أن يصبح معلّمًا لأمة، وصانعًا لتحول معرفي وأخلاقي وحضاري هائل؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق البحث.
لا الشتيمة.
ولا التكفير.
ولا تحويل الخلاف العلمي إلى إساءة للنبي الذي نؤمن أنه جاء ليخرج الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور.
